ابن الجوزي

371

صيد الخاطر

إلى المجلس الآخر ورثها عن أبيه بقيت أربعين سنة . وكانت ميمونة بنت شاقولة « 1 » تعظ الناس ولها ثياب قد بقيت أربعين سنة . ومن صفا نظره وتهذب لفظه ، نفع وعظه ، ومن كدر كدّر عليه . والحالة العالية في هذا اقبال القلب على اللّه عز وجل ، والتوكل عليه والنظر اليه ، والتفات القلب عن الخلق ، فان احتجت فاسأله ، وان ضعفت فارغب اليه . ومتى ساكنت الأسباب انقطعت عنه ، ومتى استقام باطنك استقامت لك الأمور . 334 - لا تحسن الظن بالأصدقاء وعلق قلبك باللّه رأيت نفسي تأنس بخلطاء نسميهم أصدقاء فبحثت التجارب عنهم فإذا أكثرهم حساد على النعم ، وأعداء لا يسترون زلة ، ولا يعرفون لجليس حقا ، ولا يواسون من مالهم صديقا . فتأملت الأمر ، فإذا الحق سبحانه يغار على قلب المؤمن أن يجعل له شيئا يأنس به . فينبغي أن يعد الخلق كلهم معارف ليس فيهم صديق بل تحسبهم أعداء . ولا تظهر سرك لمخلوق منهم ، ولا تعدّنّ من يصلح لشدة لا ولدا ولا أخا ولا صديقا ، بل عاملهم بالظاهر ، ولا تخالطهم إلا حالة الضرورة بالتوقي لحظة ثم انفر عنهم ، وأقبل على شأنك متوكلا على خالقك ، فإنه لا يجلب الخير سواه ، ولا يصرف السوء إلا إياه ، فليكن جليسك وأنيسك وموضع توكلك وشكواك ، فان ضعف بصرك فاستغث به ، وإن قلّ يقينك فسله القوة ، وإياك أن تميل إلى غيره ، فإنه غيور ، وأن تشكو من أقداره ، فربما لم يحتمل « 2 » . أوحى اللّه عز وجل إلى يوسف عليه السلام : من خلصك من الجب ؟ من فعل ما فعل ؟ قال : أنت . قال : فلم ذكرت غيري . فلأطيلن حبسك ، أو كما قال . هذا وإنما تعرض يوسف عليه السلام بسبب مباح « اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ » « وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ » وما أعرف العيش إلا لمن يعرفه ، ويعيش معه ، ويتأدب بين يديه ، في حركاته وكلماته كأنه يراه ، ويقف على باب طرفه حارسا من

--> ( 1 ) أو ساقولة واعظة مشهورة توفيت سنة 393 . ( 2 ) الذي أعرفه أنه لا يجوز أن يسمى اللّه أو يوصف الا بما وصف به نفسه فان سمى نفسه حكيما لم نسمه عاقلا ، وان كانت الحكمة عندنا هي العقل .